الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
344
نفحات القرآن
تكون سبباً لإيذاء أصحاب النّار : « وَنَادَى اصْحَابُ الجَنَّةِ اصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً » . فأجابوا وقد استحوذ عليهم الحياء والانكسار : « قَالُوا نَعَم » وفي هذه الأثناء : « فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُمْ أَن لَّعنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ » . فيغدو هذا الحديث كالملح على جراحات أصحاب النّار فيلهب نفوسهم بمشاعل من النّار . نعم إنَّهم كانوا قوماً يصدّون الناس عن سبيل اللَّه ( كما تصرح بذلك الآية اللاحقة ) ولهذا فهم اليوم يُبعدون عن رحمة اللَّه ( لأنّ اللعنة تعني الطرد من الرحمة الإلهيّة ) . ولكن من هو هذا المؤذّن الذي يمتلك هذه السيطرة على الجنّة والنّار فيسمع الكل نداءه ويتحدث عن اللَّه ؟ ورد في الكثير من الروايات المنقولة عن الشيعة والسُنّة أنّه أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان يجاهد الظلمة طوال حياته . والعجب أنّ بعض المتعصّبين حاول التقليل من أهمّية هذه الفضيلة ، فقال : « ولا يفهم من هذا العمل أنّه فضيلة لعلي عليه السلام » . بينما تقضي البداهة بأنّ هذا المؤذّن المهيمن على الجنّة والنّار المبلغ نداء اللَّه في ذلك اليوم ، ينبغي أن يكون له مقام سامٍ ورفيع . والخلاصة هي أنّ الإنسان يتكون من جسم وروح ، والمعاد أيضاً يتحقق بهذين البُعدين وهذا ما يستلزم الثنائية أيضاً فيالعقاب والثواب ، وبناءً على ما ذكرنا فأهل النّار لا يتألّمون من العذاب الجسماني فقط ، بل يعانون كذلك من العذاب النفسي والروحي وهو أشد وطأة عليهم ، فهم يعيشون في ألم وهمّ وحزن غير متناهٍ ، وتلازمهم الفضيحة والندامة على ما مضى ، ولو قارنوا أنفسهم بأهل الجنّة لكانت المعاناة أشدّ ، لاسيّما بوجود الملائكة الغلاظ وما يواجهونه من أنواع الاستهانة والتوبيخ والاحتقار ، وهذه كلها من العوامل التي تؤذيهم نفسياً وتجعلهم يعيشون في عذاب مرير . ومن المؤكد أنّ هذه العقوبات تنسجم مع عملهم في هذه الدنيا حين كانوا يعاملون